طق کسزی ....للکاتب یوسف عزیزی بنی طرف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

طق کسزی ....للکاتب یوسف عزیزی بنی طرف

مُساهمة من طرف ابراهیم ابن العروس في الجمعة 02 سبتمبر 2011, 10:37 am

واقفا على ضفاف دجلة انظر إلى صورتي في الماء . تتحرك أمواج هادئة من وسط النهر وتهز صورتي المرسومة على مياه دجلة الزرقاء .
في هذه الظهيرة يمكنك أن ترى حتى ظلال المباني الشاهقة في شارع الرشيد تهتز في المياه . سبق وأن أعلن الرشيد دعوته لكل القصصين في العالم ليحضروا ليلة من ألف ليلته .

سيكون الاحتفال هذه الليلة في القصر العباسي ببغداد ؛ إذ أكدوا لي هنا ، إن شهرزاد ستحضر الحفل أيضا وستكون عريفه . أذكر نفسي كي لا أنسى مقابلة الرشيد وبالضبط سيكون أول سؤالي عن سر قتله للنساء . ولو أنني أعرف الجواب مسبقا :" هذه رغبتي".

تشتد الأمواج وتكبر . صورتي تصاب بالخلل . الأمواج العظيمة والرهيبة تتبدل إلى كتب . أعرف منها كتاب " الطواسين" للحلاج وذلك من عنوانه الأحمر. أمد يدي في الماء كي أتناوله لكنني لم استطع . أصبح النهر – أينما ترى العين – كله كتب . بإمكاني الآن أن أرى على أغلفتها جروح كونتها حراب جيوش هولاكو المغولي . سبحان الله ، كل الأغلفة مثقوبة والثقوب تشبه حراشف السمك .

أحس بظل ثقيل ينهمر علي من وراء رأسي . الظل يحجب صورتي المهزوزة في الماء . لا أرى أثرا لصورتي في الماء . يقول لي الظل :

- دعنا نذهب . الحافلة ستصل بعد قليل .

الحافلة قد وصلت بالفعل في الموعد المحدد . لكنني لا أرغب أن أترك هذا النهر الهادر . أعرف أن الإصرار لا ينفع مع الظل ؛ ولهذا أطلب منه :

- أريد أن أزور ضريح شاعري المفضل وابن مدينتي . لكنه يرد علي بحسم :

- البرنامج المقرر لا يتغير ؛ بإمكانك أن تزور شارعا باسمه .

الحافلة تنتظرنا . كل الضيوف الإيرانيين سيجتمعون هنا . في شارع أبي نؤاس الأهوازي تغمرني الروائح : رائحة السمك المشوي و عرق التمر و رائحة الشعر والموسيقى العربية . اسمع ألحان ومقامات عراقية من أصفهان ونهاوند مرتين؛ مرة من المقاهي ومرة منعكسا صداها في المياه الهادرة .

نجلس أنا والظل في مطعم وننتظر سائر زملائي الإيرانيين . يصطادون لنا سمكتين طازجتين ويشوونهما حالا . الخبز حار والسمك حار. يجتمع الضيوف تدريجا . الكل يجلسون في الحافلة . يقول الظل للسائق وباللهجة البغدادية :

-نذهب الى طاق كسرى .

الحافلة تسير . نترك شارع أبي نؤاس وندخل ساحة التحرير ومن هناك إلى شارع الشيخ عمر . مرور مزدحم جدا . ياله من شارع ؛ تدبي السيارات كالنمل . أحد الضيوف الإيرانيين يقول لي :

- المرور في الشيخ عمر يشبه المرور في شارع الخيام في طهران .

الظل يخاطب السائق غاضبا ويقول له (بالعربية) :

- هذا الطريق لن يوصلنا إلى طاق كسرى .

أحد الضيوف الإيرانيين يسألني :

- ماذا يقول ؟

- يبدو أن السائق لا يعرف الطريق . فكأنما للوصول إلى ساحة "تجريش" في طهران تأخذك السيارة إلى شارع الخيام بدلا من شارع ولي العصر. هاهو حالنا الآن .

يضحك الإيرانيون . الظل ينزعج . نصف ساعة ونحن ندور حول أنفسنا في مركز العاصمة . يبدو أان السائق والظل لا يعرفان الطريق المؤدي إلى طاق كسرى . يرتبك الجميع .

آه يا دجلة . تندبني مرة أخرى ؛ تغمرني تغسلني وتنشفني بمنشفة من نور . كأنني لم أزل واقفا على ضفافها . لا أرى أثرا للكتب الممزقة . لكنني أرى حشود السمك خارجة رؤوسها من المياه ، محتجة على عملية شوي لحمها . يخرج أبو نؤاس الأهوازي ديوانه من جيب جبته ويقرأ قصيدة غزلية للأسماك . سرعان ما تصيبها النشوة وتنام شيئا فشيئا .

السائق يضغط على الفرامل ؛ أصحو من غفوتي . الحمدلله لم يحدث أي شيء .

الحافلة تتوقف بالقرب من موقف للحافلات في أحد الشوارع . الظل ينزل من السيارة حانقا . بعد لحظات يصعد ومعه شاب طويل وسيم ذوهندام متناسب ؛

"سلام عليكم" ،" عليكم السلام" يجلس الشاب إلى جانب الظل على الكرسي الأمامي . تسير بنا الحافلة مرة أخرى . الشاب يقول للظل :

- مقصدي قريب جدا من طاق كسرى .

أحد الضيوف يقول بالفارسية :

- ربنا رحيم ، أرسل لنا هذا الشاب ليرشدنا . ولولاه لتسكعنا في الشوارع حتى غروب الشمس .

يضحك الشاب البغدادي . يندهش الجميع . كأنهم يريدون أن يسألوا لماذا يضحك الشاب ؟ وبعد صمت وترقب انبرى الشاب قائلا بالفارسية :

- حالتان جطور است (كيف حالكم) ؟

- الفارسية ! كيف تعلمتها ؟ وفي أي مكان ؟

- في طهران

- طهران ! ماذا كنت تعمل ؟

- كنت في طهران لمدة عشر سنوات .

- لا تمزح ياشاب ، عشر سنوات ! ماذا كنت تعمل ؟

- كنت أسيرا .

حدق بنا الظل حيث لم يفهم الفارسية . كان حريصا أن يفهم ما نقول .

سألت الشاب بالفارسية :

- في أي معسكر قضيت فترة الاسر؟

- في معسكر "حشمتية " بطهران . عشر سنوات كاملة .

- كيف تعلمت الفارسية ؟

- في المعسكر ولا سيما في المستشفى . وقعت في الأسر وأنا جريح في جبهة " العمارة " ولزمت الفراش في مستشفى تجريش في شمال طهران لمدة شهرين . لا أصدق أنني أرى الإيرانيين مرة أخرى . مضت ثلاث سنوات من إطلاق سراحي. يالها من صدفة عجيبة ؟

يضحك الشاب ، ينظر إلى الظل ويقول له :

- لو كنت أعلم أنهم إيرانيين لما ركبت .

سأله أحد الإيرانيون بالفارسية :

- هل تعلمت شيئا في المعسكر ؟

- لا .

- كيف كنت تمضي أوقات الفراغ ؟

- كنت اقرأ الكتب و كانوا يأخذوننا كل يوم تقريبا للصلاة واللطم والعزاء على الإمام الحسين .

الحافلة تنحرف قليلا عن الطريق العام وتتوقف . تنكشف الآن القبب الذهبية حيث تتلألأ تحت أشعة شمس العراق الخريفية .

الشاب يخاطبنا وهو مودعا :

- انظروا ! هناك "سلمان باك" وفيه ضريح الصحابي سلمان الفارسي وبعده بخمسمائة متر طاق كسرى .

الشاب يسرع بخطواته في الطريق الترابي الضيق ويختفي كالظل في الغبار .

المصدر : مدونه بیت العرب
avatar
ابراهیم ابن العروس
أعروسي(ة) مسيطر(ة)
أعروسي(ة) مسيطر(ة)

عدد المساهمات : 741
العمر : 51
الموقع : الاهواز
العمل/المهنة : مدرس تاریخ وجغرافیا

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى